رغم أن بعض الأبواب الكبيرة الموصدة في وجه النظام الأسدي – البعثي حتى الآن أوشكت على الانفتاح ، وبخاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الحائز على جائزة نوبل للسلام، وتبليغه الأسد السوري ببشرى قرب رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن بلاده، وعلى الرغم من "النجاح الرسمي" الذي أحرزه السيد محمود أحمدى نجاد الايراني، صديق الأسد وحليفه، إلآ الحذر يكتنف كضباب كثيف مسار السياسة السورية بعد الآن، فإن أهم ورقة في يديه في لبنان قد خسرت في الانتخابات اللبنانية، ألا وهي حزب الله وحلفاؤه الذين كانوا على وشك اعلان استيلائهم التام على لبنان، وهم معروفون بولائهم لايران وسوريا ولاءا شبه مطلق...ولذلك فإن الأحلام الكبيرة التي كانت ترسمها دمشق لنفسها على أجنحة حزب الله الذي يبدو أحيانا خياليا وشاعريا رغم أنه يؤمن بالقوة والعنف، قد تحوّلت إلى ما يشبه السراب في القفار، وبخاصة بعد جولة المبعوث الأمريكي ميتشل الذي وضع أمام الأسد بوضوح أبرز النقاط التي يريد الأمريكان تثبيتها لاقامة علاقات جادة مع دمشق، وميتشل يعلم تماما عن حاجة سوريا إلى الكثير من المساعدات المالية، فكما نسمع هناك طائرة ركاب سورية واحدة قيد الاستعمال الصحيح حاليا لافتقار البلاد إلى قطع التبديل الضرورية وللنهب المالي الكبير الذي تقوم به المجموعة المليارديرية المستبدة بسوريا من أقرباء الرئيس وأعوانه... ولقد ساهم في تضييق المجال أمام الرئيس السوري نجاح حكومة ناتان ياهو – ليبرمان اللذان يصّران على ضرورة اعتراف الفلسطينيين ومن وراءهم من العرب باسرائيل كدولة للشعب اليهودي اعترافا صريحا وتاما، ويرفضان عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، ويهددان ويتوّعدان من يدعم حزب الله وحماس ولا يبدو أنهما مضطران لتقديم تنازلات يمكن لسوريا تسجيلها لنفسها كانتصار ديبلوماسي على طريق المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة...هذا الوضع الجديد في اسرائيل يقلل من الفرص السورية لاظهار النظام الأسدي – البعثي قويا وقادرا على ادارة الصراع، والتهديدات الاسرائيلية لمن يقف وراء حزب الله وحماس تعني دمشق مثلما تعني طهران، وهذا يفرض على الرئيس الأسد اتخاذ الحذر والحيطة وعدم القيام بحركات بهلوانية في هذه المرحلة على الأقل لأنه يدرك أن توازن القوى الدولية والاقليمية ليس في صالحه أبدا...
من ناحية أخرى، فإن النجاح الذي أحرزه الرئيس الايراني محمود أحمدى نجاد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو نجاح مشكوك فيه وقد يعرّض ايران إلى هزات سياسية قوية، هو في الحقيقة ما كان يأمله الاسرائيليون ويحلمون به، فإن مشروعهم المخطط لضرب المفاعلات النووية الايرانية ووقف توجهها صوب التسلّح النووي كان سيتعرّض إلى انتكاس في حال نجاح منافسين اصلاحيين مثل مهدي كروبي أو حسين موسوي، أما في حال نجاح أحمدى نجاد فإنهم سيندفعون نحو تنفيذ مشروعهم بخطوات أشد ثباتا كونهم قد مهدوا لذلك سياسيا وديبلوماسيا وعسكريا واستفادوا من "حماقات" الرئيس الايراني التي لاتحصى، وبخاصة دعوته لازالة اسرائيل من خريطة العالم علنا...وفي الحقيقة فإن صدام حسين لم يتجرّأ على التوغل مثل أحمدى نجاد في هذه المياه الخطيرة ومع ذلك أزالوه من الوجود كونه بنى قوة عسكرية هائلة تخاف منها اسرائيل والدول العربية الخليجية التي ترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا بمصالح كبيرة وعلاقات وشيجة، واسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي قوة عسكرية غير قوتها في منطقة الشرق الأوسط، وقد كانت تستعد في الماضي حتى لقصف المفاعلات النووية الباكستانية البعيدة جدا عن اسرائيل، خوفا من أن تعطي باكستان تقنيتها النووية لدول عربية أو اسلامية قريبة من اسرائيل...
في هذه الأوضاع الشائكة عموما، لاتستطيع دمشق إلا أن تمارس سياسة أكثر ليونة ورقة وتملقا ورياء على المستويين العربي والدولي، رغم أنها لا تريد التخلّي عن علاقاتها العضوية بطهران التي باتت تشكّل محورا سياسيا أساسيا في سائر منطقة الشرق الأوسط وهي تملك منابع المال التي تحتاج إليه دمشق الفقيرة لاملاء جيوب مليارديريها المساكين على الأقل، بعد أن فقدوا بعض أموالهم في المضاربات نتيجة الانهيار الكبير في الأسواق المالية العالمية...وستقتنع دمشق بأن تلعب بعد اليوم دورا ثانويا على المسرح العربي خلف الأردن والكويت وحتى ليبيا ولبنان، وما يقوله المبعوثون الأمريكان لدى زياراتهم لسوريا من أن السلام لايتحقق دون دور سوري أو أن دمشق تلعب دورا هاما للغاية في تحقيق الاستقرار في المنطقة ليس إلا من باب اهداء سوريا بعض "بطاقات مجانية" لدخول السيرك الديبلوماسي والجلوس على المقاعد الأمامية على النفقة الأمريكية بهدف جذبها للمشاركة طوعا أو كرها في المشاريع المطروحة من قبل الخارجية الأمريكية، ومعلوم أن الخارجية الأمريكية في تنسيق شبه دائم وفعال مع تل أبيب...وهذه التصريحات لاتغيّر من واقع أن أمريكا وأوربا يضعون الأردن ولبنان في الصف الثاني بعد السعودية ومصر والمغرب، وليس سوريا...
السياسة السورية بعد الانتخابات البرلمانية اللبنانية والرئاسية الايرانية، وبعد وصول تحالف ناتانياهو وليبرمان إلى السلطة في تل أبيب، وسط التراجعات السياسية الكبيرة لحزب الله وحماس، تدخل نفقا أضيق مما كانت عليه سابقا، رغم كل الزيارات المتوالية التي يقوم بها المبعوثون الأوربيون والأمريكان لدمشق، فسوريا لن تتمكن من السير بعد اليوم في الاتجاه المعاكس وان حاولت ذلك فإنها ستلقى مقاومة ورد فعل دولي كبير، وهذا ما سيفرض على النظام الأسدي – البعثي تغييرا واضحا في السلوك السياسي على المستويين العربي والدولي...
أما في الداخل السوري، حيث أن الأوربيين والأمريكان يضعون الآن مسألة جذب النظام السوري إلى شباكهم القوية في مقدمة المسائل الأخرى، بهدف ابعادها عن ايران أولا وتقريبها إلى اسرائيل ثانيا، فإن تعاظم المعارضة الديموقراطية والوطنية السورية بحكم تزايد أخطاء النظام في كل المجالات الاقتصادية والسياسية سيكون عاملا مهما في لفت أنظار العالم الحر الديموقراطي إلى الواقع الأليم في سوريا وبخاصة في مجال حقوق الانسان والفقر الذي تتسع دائرته وكاد يبتلع الطبقة المتوسطة تماما، وعندها سيدرك العالم الحر الديموقراطي أن سوريا لن تتمكن من تقديم شيء للاستقرار والأمن والسلام في المنطقة دون احداث تغييرات جذرية في بنية النظام السياسي ذاته، ولايمكن قبول سوريا دون انتخابات تشريعية حقيقية في وقت يتحقق فيه ذلك في سائر البلدان التي تحيط بها، ولو بدرجات متفاوتة في الجودة الديموقراطية...
إن على المعارضة الديموقراطية والوطنية في سوريا أن لاتفقد الأمل في أنها بقوة شعبها المسحوق والمضحي والمستعد تستطيع احداث مثل ذلك التغيير، فالنظام عاجز كسيح ورجاله صم بكم عمي فهم لايفقهون، رغم أن سفينتهم أصبحت خرقاء في عدة مواضع وستغرق بهم بالتأكيد إن ظلوا هكذا ساكتين مطمئنين إلى سياسة بعثهم الفاشل والمتخلف...
والظروف الدولية مؤاتية الآن ومستقبلا ستكون أفضل...
الاثنين 15 حزيران، 2009