لم يتجاوزا المرحلة الأكثر إثارة في حياة الشباب بعد, بل ما هم فيه من الزمن كمراهق ومراهقة لايتجاوز أشهر الربيع الثلاث, حين تلاقت الأعين وبدأ قلبيهما يخفقان كالكناري في قفصي صدريهما, كانت البنت الكبرى لحانوتي مفرط في التدين الموروث, وكان الإبن البكر لأب قروي لم يتقن الإبوة في حياته, شريداً همه الإبتعاد عن كل مسؤولية . طالب في مرحلة الإعدادي, وهي قد حرمت من نعمة التعليم حسب تعاليم الدين التي لم يدركها والدها قط!.. هو لم يركن إلى الطاولة التي كان يجلس عليها, الضجر يخنقه ويكتم عليه أنفاسه, متى ستنتهي الحصص الأربعة لكي يعود إليها ويسبق والدها .
الباب مغلق حسب أوامر الأب المتسلط, مع ذلك تمكنا من إيجاد وسيلة للقاء, أو بالأحرى والأدق تفصيلاً , من رؤيتها عن بعد!...
الباب يقابل الباب, ينتظرها على شرفة بابه حتى أن تتكرم هي بفتح بابها, ثوان هي نظرة فسلامً وإختفاء, مع ذلك كانت السعادة تغمره, يبني بها الرياض وتغرد فيها بلابل العشق والهيام .
طمع بأكثر من طلة واحدة في اليوم, وطالما الهيام متبادل فمن الواجب أن تراعي الحبيب وتزيد من الطَّل , ولم يسعفه في إصال رسالة رغبته هذه, سوى صوت فريد الأطرش, وحبيب العمر....وأنا وياك...والربيع...
تسمع النداء...فتبدأ برشِّ الماء وتكنيس ساحة الدار , حين أن تصل إلى الباب الرئيسي, فتترك الباب مورِّباً, بدرجة تكاد الفتحة لا تسع نظرات العينين , وهو يتلصص بنظراته الحارقة, وتكفيه نظرتها الحانية لتُبرِّد كل شئ , حتى جمرات سكائره اللاكي الأمريكية والمتدلية من بين شفتيه كنجم سينمائي من هولوود.
الرقابة الوحيدة على تحركاتهم هذه, كانت من الباب الآخرالمجاور لبابه, من جارته التي تفصل بينهما جدار بعلو قامته, إمرأة حسناء, قروية المنشأ, تكتنز من الشحم الكثير, وسرجمالها في حسن توزيعه بين الأرداف والأفخاذ والخصر والقامة الطويلة, والعقم سببه وسبب الخلاف الدائم بينها وبين زوجها الذي لا يمل وهو ينعتها بكل الصفات البذيئة الغير لائقة بامرأة لأنها لاتنجب له, وبصوت يكاد يسمعه كل الجيران !..
عطلة الصيف, والأهل قد سافروا إلى قريتهم , ولم يرحل معهم كعادتهم في كل مرة, فقط رغبته بالبقاء إلى جانب حبيبته التي تسعده بنظراتها من خلال فتحة الباب الضيقة .
في منتصف ذلك النهار, كانت الشمس قد توقفت في السماء, لهيبها لايترك للماء أن يسيل وهي ترش فناء الدار ليتبخر سريعاً, تُكرر المحاولة وهو سعيد بذلك , إلى أن ملَّت جارته الحسناء المكتنزة للشحم من مراقبتهم .
إقتربت منه, لتسأل عن الأهل, وهي التي شاهدت بأم أعينها ركوبهم سيارة الإجرة, والحركة هذه أخافة الحبيبة فأغلقت الباب وإختفت, نظرت إلى بابها وهي تضحك, وقالت شئ لم يسمعه العاشق الولهان, دلفت بهدوء الى داره, فلم يكن أمامه السوى الترحيب بها, وينسى الضرر الذي لحق به!.
أغلقت الباب وراءه وهي تضحك, ومن ثم قالت .
ما الذي أحبَّك بتلك الفتاة؟ هل أنت أعمى !؟...انفها كخيمة عربية تغطي كل وجهها, صفار أسنانها أراه من البعد بيننا, وأنت...ألا ترى نفسك في المرآة ....
لم تكمل الجملة الأخيرة حتى كان كالخرقة البالية بين يديها وهي تعصره بين الشحم الموزع بإتقان ونهديها, ولم يأتي المساء حتى كانت قد أنسته عذابات فريد الأطرش, لتلقنه شئ من آهات كوكبة الشرق أم كلثوم, ومن رائعتها الحب كده!...
في صباح يوم التالي, ولأول مرة كانت قد سبقته حبيبيته بفتح الباب بدون الإستعانة بصوت فريد الأطرش, إلا أنه لم يرى أمامه إلا خيمة سوداء تغطي كل وجهها, وأسنان يشم رائحة الصفار من على بعد المسافة بينهما .
أما الجدار فلم يكن عائقاً بينه وبين جارته المضيافة , بخفة الفهد كان يجتازه, لينغمس طيلة أشهر الصيف الثلاث, برغد الشحم الوفير .
لم تنتهي عطلة الصيف, حتى كانت قد أتت على أخر معقل لمراهقته, لتلقنه درساَ بالفحولة المبكرة, والتي حتمت عليه فيما بعد أن يطرق أبواباً لم يحق له طرقها, لا سائلاَ ولاشفيعا.