الصحافة العالمية باتت غارقة في حمى التحليلات ، والإستنتاجات ، والتوقعات ، حول ماستتمخض عنها الإحتجاجات المليونية في شوارع طهران ، والمدن الإيرانية الأخرى . . المتفائلون ينفخون مناطيد تفاؤلهم للحد الأقصى ، والمتشائمون يقرؤون اللوحة بنظارات سوداء قاتمة . . غير أن الكل ينسى داء الإستبداد الذي نخر الجسد الإيراني على مدى ثلاثة عقود ، فدجنه ، وروضه ، وعوده تفضيل ابتلاع الألم على الموت ، وتجرع كأس الظلم على الاجتثاث والإختفاء الأبدي .
فالشعوب الإيرانية تعيش هذه الحالة القسرية منذ عهد اسماعيل الصفوي ، وحتى عصر الآيات الذين يعود لهم الفضل في نحر الحرية ، ودفن المساواة ، وصلب العدالة ، وبالتالي وضع اللمسات الأخيرة على نمط واحد من التفكير ، والتخيل ، والتصور لهذه الشعوب .
فالفريقان المتنافسان ماهما إلا وجهان لعملة واحدة ، سقطا معاً من كمي عباءة الثورة ، ونهلا معاً من معين ثقافتها ، وساهما في تصفية الواقع من المفكرين ، والمبدعين ، والمثقفين الأحرار ، وكلاهما اقترفا الجرائم المهولة بحق الشعوب الإيرانية ، ومعاً صدرا الفوضى والموت إلى أكثر من بلد اسلامي ، انسجاماً مع نظرية الإمام بضرورة تصدير الثورة لتعم العالم كله ، وكلاهما ساهما في حشر إيران الغني في عنق الزجاجة .
إن من يكرس الخرافة في ذهنية شعبه ، ويجعله يؤمن بعودة المهدي المنتظر ، ليقضي على الظلم ، وينشر العدل والسلام ، ويدفعه ليمارس فعل " المازوشية " مع نفسه ، تألماً وتوجعاً على إمام قتل منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً ، ويجعله كالقطيع يؤمن أن الدعاء والتوسل والتذلل ، ستجعل السماء تمطر خيراً عميماً .
فما الذي يمكن استنتاجه من مثل هذه العقلية المثقوبة والمنخورة والمشبعة بهلاميات الخرافة والإسطورة في عصر " القرية الكونية " ؟!. وماالفوائد التي يمكن تعميمها على الشعوب الإيرانية ، والجوار ، والبعيدة من هؤلاء الذين فطموا من أثداء الإستبداد . . ؟!.
إن الإدارة الأمريكية مهما حاولت أن تتخذ من مواقف محايدة ، أو مرنة ، أو وسطية ، أو مستجدية على أمل استجرار النظام للدخول على خط التفاهم والتصالح ، بهدف إيقاف نزيف الدم في العالم الإسلامي ، ونشر التسامح والسلام ، فإن تلك المواقف ستغتال حتماً " بفوهات بنادق " الآيات المصوبة دوماً لكل من يحاول أن يساهم في تحقيق الإستقرار ، والتفاهم ، والتصالح .
فالواقع الراهن ، بكل آماله وآلامه ، يطرح بنفسه أمام أعظم قوة في العالم ، لإشعارها بضرورة التخلص من لبوس " الكهنوتية " ، والإعلان من دون مواربة عن دعمها ، ومساندتها ، وتمويلها للقوى الوطنية الديمقراطية للشعوب الإيرانية . لأنها هي وحدها المعنية بإعادة الحياة إلى الجسد الإيراني المسجى في أقبية ، وكهوف ، وأنفاق الآيات . وأما المراهنة على هذا الطرف أو ذاك من أبناء " الثورة " البررة ، فهو طحن للهواء ، أو عملية صيد في مياه عكرة .
20 ـ 6 ـ 2009