المظاهرة الإحتجاجية المطالبة بإعادة كركوك لحضنها والتي نظمتها قبل حوالي شهر جماهيرها المثكولة بمتظاهريها الذين قضوا نحبهم غدراً على يد جهة إرهابية إندست وسط الجموع المحتشدة وأوقعت منهم عشرات الشهداء والجرحى، لا لذنب إقترفوه سوى لأنهم رفضوا التلاعب بالدستور وناشدوا بتطبيقه تلافياً لوقوع العراق في فخاخ الأجندات الإقليمية المتربصة بمسار فدرلة العراق الجديد المصطدم بمختلف المعوّقات.
والمسيرات التضامنية السلمية التي نظمّـتها الأحزاب المشاركةالتي نظمها مجلس الأحزاب السياسية الكوردستانية في العاصمة أربيل وكبريات المدن كالسليمانية ودهوك وغيرهما من القصبات والأقضية الكوردستانية التي عبّرَتْ عن إرادتها بإحتضانها لقلب كوردستان، وأرادت إسماع الرأي العام العراقي والعالمي أصوات الشعب الكوردي المندّدة بما يسمى بالقانون (24) بصدد انتخابات مجالس المحافظات الذي مرّره مجلس النواب العراقي بغياب كتلة التحالف الكوردستاني التي إضطرت للإنسحاب من تلك الجلسة البرلمانية، بسبب إصرار رئيس مجلس النواب على تجزئة الدستور بإسلوب إنقلابي مخالف لأبسط أسس التشارك ومتعارض مع التوافقات السياسية القائمة.
والمظاهرات الممانِعة التي تشهدها حالياً مدن خانقين وجبارة وقره تبة وغيرها من المناطق الكوردستانية المستقطعة المشمولة بالمادة (140) من الدستور، والتي تنعم بالحياة الآمنة بفضل وجود قوات أمنية محلية تحميها وتوفر الأمن والإستقرار لأهلها منذ ما بعد السقوط وحتى الحين، والتي ترفض إستقدام قوات عسكرية عراقية من الجنوب والوسط إلى مدنهم الأمنة التي قد تغوص في مشكلات لا حصر لها مع هذه القوات المستقدَمة رغم رفض الأهالي وبدون رضى الإدارات المحلية لهذه المناطق التي باتت تخرج عن بكرة أبيها إلى الشوارع والساحات لتعلن عن إحتجاجها على الواقع الجديد الذي يريد البعض تثبيته بنفس المنوال والعقلية التي كان يتصرف بها نظام صدام البائد.
وبالقياس وفق مقاسات العراق المنشود أي العراق الفدرالي الديمقراطي الموحّد، فإنّ تلك المظاهرة الكركوكية والمسيرات الكوردستانية التضامنية هي حق دستوري مشروع وشكل دفاعي حضاري عن قضية عادلة وعالقة وبحاجة لحلّ جذري عاجل، وهي الشاهد الأكثر دلالة على أنّ الجانب الكوردستاني يزداد إصراراً على المضي قدماً في خياره الديمقراطي اللاعنفي عبر إعتماد الأساليب السياسية والدبلوماسية والجماهيرية المتاحة والمباحة والتي يصونها الدستور الدائم لعراق اليوم الذي لا يمكن إعادة بنائه وإعماره بتغييب المكوّن الكوردي أو أي مكوّن عراقي آخر عن إستحقاقات العملية السياسية الجارية بصعوبة.
وللتذكير فإنّ ما يمكن أن نسميه بالقانون المارق أي الـ 24 الضغائني، قد خلق نوعاً من الجدل وأثار حفيظة ومخاوف جميع الكوردستانيين، لأنه نصّ على أنْ يتم تأجيل انتخابات مجلس محافظة كركوك والأقضية والنواحي التابعة لها، وأن يتم تقسيم السلطة فيها بشكل ميكانيكي لا يأخذ لا الماضي ولا الواقع السكاني الموجود بعين الإعتبار، أو بالأحرى بشكل محاصصاتي صلف بين المكونات الثلاثة بنسبة 32% لكل من الكورد والعرب والتركمان، و4 % للمسيحيين، وأنْ يُعهَـد الملف الأمني في كركوك إلى قوى عسكرية وأمنية مستقدمة من جنوب ووسط العراق، مع التأكيد على خروج القوى الأمنية الموجودة من كركوك...!؟.
وبالرجوع إلى تاريخ تأسيس الدولة العراقية عام 1921م، ما عدا الحقبة الفاشية للحكم الصدامي، نجد بأنّ حق التظاهر السلمي قد مورسَ في البلد بجرأة منذ ذلك الحين، وكانت الإحتجاجات وسيلة العراقيين المنصوص عليها في الدستور لردع حكومات ذلك الزمن وإيقافها عند حدودها، وللتعبير عن الرأي والمطالبة بتحسين الأحوال المواطنية وبإحقاق الحقوق القومية والسياسية والدينية. وبناءّ عليه فإنّ التظاهر كوسيلة تعبير للمطالبة بحق أو رفض حيف يتجاوز حرمة وكرامة أي مواطن أو قومية أو دين أو طائفة، هو حق يكفله الدستور العراقي وتنص عليه صراحة المواثيق الدولية لصيانة حقوق الانسان والشعوب...، وبالقياس على ذلك فإنّ من حق الكوردستانيين الذين سئموا من المماطلة وتسويف ملفاتهم العالقة والذين يستشعرون بالقلق والمخاوف على مستقبل إستحقاقاتهم في العراق الجديد، أن يقوموا بالمظاهرات في مناطقهم التي لطالما ضحوا فيها بأنهر دماء شهدائهم البررة.
وفي هذا المجال ينبغي أن لا يُـنظـَر إلى المظاهرات الكوردستانية الأخيرة بنظرة تشنجية سلبية من قِبَـل الأطراف المقابلة لا بل الشريكة في قوام فدرلة الدولة، وإنما يُفترَض أنْ تتم قراءتها بإيجابية لكونها بالأساس عبارة عن صرخات حق أو رسائل سلمية جماهيرية ضاغطة أو بالأحرى هو حراك إقتراحي عصري لتوصيل مطالب شعب كوردستان وأهل كركوك وأخواتها، إلى الحكومة الإتحادية والبرلمان ورئاسة الجمهورية، من أجل تلبية تلك الإستحقاقات دون أي تأجيل قد يؤدي لتعكير الأجواء وإفتعال النزاعات كما كان يحدث في الماضي الذي ينبغي أن ينطوي بل أن ينقبر نظراً لأنه كان بؤرة للتوتر والويلات، مع التأكيد على أنّ تجربة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ينبغي أن لا تتكرر لأنها مؤذية للغاية ولا تليق براهن العراق الجديد الذي قطع أشواطاً لا بأس بها بإتجاه الدمقرطة والفدرلة.في كل الأحوال لا سبيل أمام ممثلي المكونات العراقية سوى الوفاء بوعودهم التي قطعوها على أنفسهم وبرضائهم قبل إسقاط صدام، ولا بديل عن الإلتزام بالتوافقات القائمة بينهم، والركون لخيار المصالحة الوطنية، والإحتكام للعقلانية السياسية التي تقتضي عدم إقصاء أي طرف أصيل تحت أي ذريعة كانت، ولا حولَ للعراقيين سوى اللجوء للغة الحوار الإيجابي التي لولاها لما إستطاعوا تحرير بلدهم من ظلم جلاد العراق لا بل طاغية العصر.
==============================
*جريدة التآخي: يومية سياسية تصدر في بغداد ـ العدد (5539) ـ التاريخ (6 ـ 9 ـ 2008)